السيد حيدر الآملي
95
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
انّ اللَّه خلق الملائكة من نور ، وخلق الجانّ من نار ، وخلق الإنسان ممّا قيل لكم . قال : وأمّا قوله عليه السّلام في خلق الإنسان : مما قيل لكم ، ولم يقل مثل ما قال في خلق الملائكة والجانّ طلبا للاختصار ، فإنّه « أوتي جوامع الكلم » وهذا منها ، فان الملائكة لم يختلف أصل خلقها ولا الجانّ ، وأمّا الإنسان اختلف خلقه على أربعة أنواع من الخلق : فخلق آدم لا يشبه خلق حواء ، وخلق حواء لا يشبه خلق سائر بني آدم ، وخلق عيسى عليه السّلام لا يشبه خلق من ذكرنا ، فقصد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم الاختصار ، وأحال على ما وصل إلينا من تفصيل خلق الإنسان ، فآدم من طين ، وحواء من ضلع ، وعيسى من نفخ روح ، وبنو آدم من ما مهين ( 41 ) .
--> ( 41 ) قوله : فآدم من طين ، وحواء من ضلع ، إلخ . أمّا آدم من حيث هو بشر ، فخلق من تراب ، ومن طين ، ومن نطفة ، ومن علق ، ومن مضغة ، وإليك الآيات التّالية با ترتيب والتأمل فيها : * ( وَمِنْ آياتِه ِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ) * [ سورة الرّوم : 20 ] . * ( إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ) * [ سورة ص : 71 ] . * ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَه ُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ) * [ سورة السجدة : 7 ] . وإمّا بنو آدم : * ( أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ) * [ سورة المرسلات : 20 ] . * ( فَلْيَنْظُرِ الإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ) * [ سورة الطارق : 5 - 7 ] . * ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَه ُ نَسَباً وَصِهْراً ) * [ سورة الفرقان : 54 ] . * ( إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ ) * [ سورة الإنسان : 2 ] . * ( خَلَقَ الإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ) * [ سورة العلق : 2 ] . * ( فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ) * [ سورة الحجّ : 5 ] . وأمّا آدم من حيث حقيقته الإنسانيّة ، الَّتي هي فصله الأخير وبها يمتاز من سائر الدوائب ، فخلق ( أي أصله ) هو الرّوح المنفوخ ، فانظر فتأمل في الآيات التالية بعد ما دقّقت في الآيات المذكورة ، وهذه هي الآيات : * ( وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ) * . * ( ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَه ُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ) * . * ( ثُمَّ سَوَّاه ُ وَنَفَخَ فِيه ِ مِنْ رُوحِه ِ ) * [ سورة السجدة : 9 ] . * ( وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُه ُ وَنَفَخْتُ فِيه ِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَه ُ ساجِدِينَ ) * [ سورة الحجر : 28 - 29 ] . * ( قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) * [ سورة ص : 75 ] . * ( ثُمَّ أَنْشَأْناه ُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّه ُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ) * [ سورة المؤمنون : 14 ] . وأمّا عيسى عليه السّلام فخلق من نفخ الروح ، قال تعالى : * ( وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ ) * [ سورة الأنبياء : 91 ] . وقال تعالى : * ( إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّه ِ وَكَلِمَتُه ُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْه ُ ) * [ سورة النساء : 171 ] . وأمّا حواء زوج آدم فخلق من نفسه لقوله تعالى : * ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً ) * [ سورة النساء : 1 ] . ولقوله تعالى : * ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها ) * [ سورة الأعراف : 189 ] . - وأمّا قوله : وحوّاء من ضلع . هذا ما ورد في الأحاديث ، نذكر بعض ما روى فيه : أخرج البخاري في الصحيح ، كتاب النكاح ، باب 80 ، الحديث 115 ، ج 7 ، ص 49 ، بإسناده عن النّبي ( ص ) قال : المرأة كالضّلع ان أقمتها كسرتها ، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج . وفي صحيح مسلم ج 2 ، ص 109 ، كتاب الرضاع ، باب الوصيّة بالنساء ، الحديث 1465 - 1468 : إذا ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها استمتعت بها . وقريب منهما في سنن الدّارمي ج 2 ، ص 199 ، باب مداراة الرجل أهله ، الحديث 2222 . وأيضا أخرج البخاري في ج 4 ، ص 587 ، كتاب الأنبياء ، باب 896 ، الحديث 1489 ، بإسناده عن النّبي ( ص ) قال : استوصوا بالنساء ، فإنّ المرأة خلقت من ضلع وإنّ أعوج شيء في الضلع أعلاه ، فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج ، فاستوصوا بالنساء . وفي سنن ابن ماجة ج 1 ، ص 175 ، كتاب الطهارة ، باب ما جاء في بول الصبي ، الحديث 525 ، بإسناده عن النبيّ ( ص ) قال : إنّ اللَّه لمّا خلق آدم خلقت حوّاء من ضلعه القصير . وروى الكليني في الفروع من الكافي ج 5 ، ص 513 ، باب مداراة الزوجة ، بإسناده عن الصادق ( ع ) ، عن رسول اللَّه ( ص ) قال : إنّما مثل المرأة مثل الضلع المعوج إن تركته انتقمت به ، وإن أقمته كسرته ، قال الكليني : وفي حديث آخر استمعت به . وأيضا روى باسناده عن الصادق عليه السّلام قال : إنّ إبراهيم شكا إلى اللَّه عزّ وجلّ ما يلقي من سوء خلق سارة ، فأوحى اللَّه تعالى إليه : إنّما مثل المرأة مثل الضلع المعوج ، إن أقمته كسرته وإن تركته استمتعت به ، اصبر عليها . وعنه المجلسي في البحار ج 12 ، ص 116 ، ج 50 . وتفسير القمّي ج 1 ، ص 60 في الآية : * ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ ) * [ البقرة : 127 ] . وعنه المجلسي في البحار ج 99 ، ص 36 ، الحديث 15 . وروى الصدوق في معاني الأخبار ، باب معنى الصائم المفطر ، ص 305 ، ج 1 ، بإسناده عن أبي ذر عن رسول اللَّه ( ص ) قال : إنّما المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها وفيها بلغة . وعنه في البحار ج 97 ، ص 99 ، الحديث 22 . وروى العياشي في تفسيره في أول سورة النساء ج 1 ، ص 215 ، الحديث 2 ، بإسناده عن أمير المؤمنين ( ع ) قال : خلقت حوّاء من قصيرا جنب آدم - والقصيرا هو الضلع الأصغر - وأبدل اللَّه مكانه لحما . وروى العياشي في تفسير سورة النساء ج 7 ، ص 216 ، بإسناده عن الباقر ( ع ) ، قال : قال رسول اللَّه ( ص ) : انّ اللَّه تبارك وتعالى قبض قبضة من طين فخلطها بيمينه - وكلتا يديه يمين - فخلق منها آدم ، وفضلت فضلة من الطين فخلق منها حوّاء . عنه البحار ج 11 ، ص 116 ، الحديث 46 . وروى الشيخ الطوسي في التهذيب ، باب بدء النكاح وأصله ، الحديث 1 ، ج 3 ، ص 239 ( ط نجف ) ، بإسناده عن زرارة ، عن الصادق ( ع ) قال : انّ اللَّه تبارك وتعالى لمّا خلق آدم ( ع ) من طين وأمر الملائكة فسجدوا له ألقى عليه السبات ، ثمّ ابتدع له حواء فجعلها في موضع النقرة التي بين وركيه ، وذلك لكي تكون المرأة تبعا للرّجل ، ورواه الصدوق في العلل ، باب علَّة كيفية بدء النسل ، الحديث 1 . وأيضا روى الصّدوق ( ره ) في العلل باب العلة الَّتي من أجلها فضل الرّجال على النساء ح 1 ، ص 512 عن أمير المؤمنين ( ع ) ، عن رسول اللَّه ( ص ) قال : خلق اللَّه آدم من طين ومن فضلته وبقيّته خلقت حوّاء . وأيضا روى في العلل في باب النّوادر ، الحديث 33 ، ص 471 ، بإسناده عن النّبي ( ص ) قال : حين ما سئل عن بدء خلق حوّاء : ( خلقت ) من الطَّينة الَّتي فضلت من ضلعه الأيسر . أقول : انظر فتأمّل أيّها القارئ الكريم في ترتيب ما نقلنا في الأحاديث الواردة في المقام ، فإنّه يدلّ على ما اخترناه في الجمع بين الرّوايات المختلفة المضامين ، فالأحاديث الأخيرة تفسّر ما ورد من الأحاديث في انّ حوّاء خلقت من ضلع آدم ومعناه انّها خلقت من الطينة الَّتي فضلت منه . والجدير بالذكر ، أنّ الأحاديث الواردة في الضلع ناظرة إلى مسألة أخلاقيّة في مداراة الرّجل مع زوجته فتأمل ، واللَّه هو العالم .